من بدر إلى الحديبية

ليُخْرِجنَّ الأعز منها الأذل

كانت جذور النفاق عميقة في نفس عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، وبدايتها قبل هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يوم كانت المدينة تعيش صراعا وقتالاً شرساً بين الأوس والخزرج ، وانتهى الصراع بينهما على اتفاق بين الفريقين يقضي بنبذ الخلاف وتنصيب ابن سلول زعيماً على المدينة ، ثم ماتت هذه الفكرة بدخول الإسلام إلى أرض المدينة ، واجتماع الناس حول راية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصارت نظرة ابن سلول للإسلام تقوم على أساس أنه قد حرمه من الملك والسلطان ، وبذلك كانت مصالحه وأهواؤه الشخصية وراء نفاقه ، وامتناعه عن الصدق في إسلامه ، ومن ثم الكيد للإسلام والمسلمين .

انطلق ابن سلول ينفث سمومه في صنع الافتراءات والخلافات ، وإثارة الفتن للتفريق بين المسلمين للقضاء على دولة الإسلام ، ومن ذلك قولته الخبيثة التي قالها عقب غزوة بني المصطلق (المريسيع) ـ والتي تعبر عن مدى حقده على الإسلام والمسلمين ـ : ” لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ” ، ويعني بالأعز نفسه ، ويقصد بالأذل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه .

عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( كنا في غزاة (بني المصطلق) فكسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ما بال دعوى جاهلية ؟ ، قالوا يا رسول الله : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال دعوها فإنها منتنة ، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ؟ ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم -، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) رواه البخاري .

إقرأ أيضا:دروس وعبر من غزوة الأحزاب (الخندق)

واستدعى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن أبي بن سلول هو وأصحابه ـ المنافقين ـ ، فأنكروا ذلك ، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا ، فأنزل الله سورة المنافقين ، وفيها تكذيب لهم ولأيْمانهم الكاذبة ، وذلك في قول الله تعالى :{ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }(المنافقون8:7 ) .

وكان لعبد الله بن أبي بن سلول ولد مؤمن اسمه عبد الله ، لما علم بالأحداث وبما قاله أبوه استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتل أبيه لما قاله ، فنهاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك ، وأمره بحسن صحبته .

فلما وصل المسلمون مشارف المدينة ، تصدى عبد الله لأبيه ، وقال له : ” قف والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدخول ، فإنه العزيز وأنت الذليل”، فأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فظهر بذلك مَنِ العزيز ومَنِ الذليل ، فلا أذل لابن سلول من أن يقف ولده أمامه ويمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

إقرأ أيضا:إنْ شِئْتَ زوجتُك حَفْصة

ولقد ضرب عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ـ رضي الله عنه ـ بهذا الموقف مثالا عمليا للإيمان في أوثق عراه ، وهو الولاء والبراء .

ومن خلال هذا الموقف مع قولة ابن سلول ظهرت لنا حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد قابل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قاله ابن سلول بالصبر ، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل النبيين ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يغضب لنفسه أو ينتقم لها ، بل يغضب لله ـ عز وجل ـ ، فلو أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أذن لعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول بقتله لقتله ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ صبر وعفا ، ولما استأذنه عبد الله ـ رضي الله عنه ـ في أن يقتل أباه لما قاله ، قال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا ، ولكن بر أباك، وأحسن صحبته ) رواه ابن حبان .

وفي ذلك أيضا تأكيد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مراعاة البر بالآباء وحسن صحبتهم في الدنيا وإن كانوا كافرين، عملا بقول الله تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }(لقمان:15)..

إقرأ أيضا:غزوة ذي أَمَر

وكذلك ظهر في هذا الموقف حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في محافظته على وحدة الصف الداخلية للمجتمع المسلم ، وعلى السمعة الطيبة للإسلام والمسلمين ، وحتى لا يُشاع بين العرب أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، فينفض الناس من حوله ، وينفرون من دخول الإسلام ، ففرْق كبير بين أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، وبين أن يتحدث الناس عن حب أصحاب محمد محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وفي ذلك يقول ابن تيمية : ” إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة ، لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ، وممن لم يدخل فيه ” .

وهكذا كان رد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قولة ابن سلول ـ مع مرارتها وألمها ـ فيه من المعاني الكثير ، التي ينبغي أن يقف المسلمون معها للاستفادة منها في واقعهم .

السابق
خصائص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته في الآخرة
التالي
المسجد أول دعائم الدولة الإسلامية