فتح العراق وفارس

رستم يتحدث إلى زهرة بن الحوية

زهرة بن الحوية يتحدث مع رستم:
تقدم له زهرة بن الحُوِيَّة، ونحن نعلم أن زهرة بن الحُويَّة واقف بفرسانه على القنطرة لحمايتها؛ فيتقدم له زهرة بنفسه كي يتحدث معه، فيُعَرِّض له رستم بالمصالحة، ولكنه لا ينطق بها، لقد كان بداخل رستم عدة عوامل تمنعه من القتال:

أولاً: هو لم يكن راغبًا في الخروج على رأس الجيوش، بل كان يود أن يخرج الجالينوس مكانه ويظل هو في المدائن، ولكن يزدجرد أصر أن يخرج رستم على رأس الجيوش.

ثانيًا: لم يكن راغبًا في دخول الجيش الفارسي كله في معركة واحدة، فهو يود أن يبعث فرقة فرقة، حتى إذا انهزمت فرقة تدخل الثانية، ولكن الجيش الفارسي جاء بمائتين وأربعين ألفًا من الجنود، أي أن معظم الطاقة الفارسية قد جاءت في هذا الجيش.

ثالثًا: التراب الذي أُعْطِي إلى عاصم بن عمرو التميمي ما زال يؤثر في نفسيته ونفسية قومه؛ لأنهم متشائمون من ذلك، وهذا شيء مهم جدًّا في تكوينهم، فهم يؤمنون تمامًا أن فارس من الممكن أن تُهزَم نتيجة هذا الفأل السيئ.

رابعًا: وأخيرًا موضوع الحلم الذي رآه.

فلذلك لم يكن راغبًا في القتال ولكنه يعرِّض بالمصالحة، ولا يقولها كِبرًا؛ لأنه لا يود أن يظهر بمظهر الضعيف الذي يطلب المصالحة من زهرة بن الحُوِيَّة بعد كل هذه العظمة والسلطان وهذه القوة الفارسية؛ فيقول له: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا (فهو يقصد أن العلاقة كانت بيننا وبينكم طيبة، فما الذي غير هذه العلاقة؟!)، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، ثم جئتم الآن تحاربوننا (فما الذي غيَّر هذه الأحوال؟!).

إقرأ أيضا:رستم يتحرك بجيشه تجاه القادسية

فقال زهرة: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا؛ كانوا يطلبون الدنيا ولكن نحن نطلب الآخرة، كنا كما تقول حتى بعث الله إلينا رسولاً، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له الله: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة (أي للفئة المؤمنة) ما داموا مُقرِّين بي.

فقال له رستم: وما هذا الدين؟

فقال زهرة بن الحُوِيَّة: هذا الدين عموده أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تُقرَّ بكل ما جاء من عند الله، وتُبعد عن حكمك كل ما خالف أمر الله I.

فقال رستم: ما أحسن هذا! وأي شيء آخر؟ يريد أن يستزيد، ويعرف كيف يفكر المسلمون، فأكمل “زهرة” الحديث، وقال: وجئنا -أيضًا- لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. قال: وهذا حسن أيضًا، أي شيء آخر؟ فقال: والناس كلهم أبناء آدم وحواء إخوة، لا يتفاضلون إلا بالتقوى. فقال: هذا شيء عظيم!! ثم قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، ودخلت معك وقومي في دينك أترجع عنا؟ قال: نعم واللهِ، نخلِّف فيكم كتاب الله، ونترككم ولا نعود إليكم إلا في حاجة أو تجارة. فقال رستم: صدقتني. ثم انصرف رستم وانصرف زهرة.

إقرأ أيضا:فتح الجزيرة في شمال العراق

ومن خلال هذا الحديث مع زهرة نتبين أن رستم يحاول أن يعرف من المسلمين الكثير عن دينهم، والكثير عن طريقة تفكيرهم حتى يعرف كيف يقاتلهم، ولكن في واقع الأمر عندما ننظر في مجريات الأمور بعد ذلك نجد أن رستم كان بالفعل يفكر في مصالحة المسلمين، ولم يكن تصرفه هذا حركة سياسية، أو حركة القصد منها تثبيط همة المسلمين؛ لأنه عندما عاد إلى قومه، وإلى رؤساء قومه جمعهم وجمع مجلس الحرب، وأخذ يناقشهم، ويقول لهم: ما رأيكم في هذا؟! وهل رأيتم أحسن من هذا؟! فأَنِفَ القوم من هذا الحديث، ولم يقبلوا فكرة الدخول في الدين الإسلامي، فليس من المعقول في نظرهم أن يدخل قادة الفرس في هذا الدين؟! فيقول لهم: أما رأيتم من حُلو حديثهم، ودقة كلامهم، وثباتهم وعدم خوفهم من الموت؟! وأخذ يعدّد حسنات المسلمين.

فغضب القوم منه، وتجادلوا معه جدالاً عنيفًا، حتى أغضبهم وأغضبوه؛ فأصرَّ رستم على عرض فكرة المصالحة، بل فكرة الدخول في دين الإسلام (ولا نعلم: أذلك بانشراح صدر، أم تجنبًا لقوة المسلمين الضخمة التي يظن أنها ستنتصر عليه في المعركة القادمة؟) ثم يعيد عليهم الكلام مرة أخرى؛ فيقول له القوم: إنك بدأت تجبن عن لقاء القوم. فأخذت الكلمة مأخذها في صدر رستم، إذ كيف برستم أشجع قواد فارس يُتَّهم بالجبن؟! ثم قال لهم: أخذ الله أجبَنَنا، إنما تلقون بفارس إلى التهلكة، وأنا لست أجبنَكم، ولكني أحكمكم وأعقلكم.

إقرأ أيضا:رستم قائد الفرس وقرار خوض معركة القادسية

وظل رستم على الكفر مع قومه ولم يفكر بعد ذلك في الصلح، ولكن كان بداخله شعور يقيني أن هؤلاء القوم منصورون من الله I؛ لأن فرقته تعصي الله، وهو يعلم أن الاختلاف بينه وبين المسلمين هو في: مَن هو الله؟ فهو يعبد النار ويوقن أنها تنقذ الطائع وتحارب العاصي، وإذا ارتكبوا الذنوب فإنهم مهزومون، وهو يعلم أيضًا أن قومه غير حسني السيرة، وأن المسلمين لهم من السيرة الطيبة ما يجعلهم ينتصرون عليهم، كما أن الحلم الذي رآه، والأشياء التي شاهدها، والأحداث التي مرَّتْ به غرست في قلبه الشؤم من هؤلاء القوم، ثم تأتي أحاديث أخرى سنذكرها بعد ذلك يقول فيها: إن ما جاء به هؤلاء القوم هو الحق. ولك أن تتخيل قائدًا معه مائتان وأربعون ألفًا من الجنود، وهو يشعر أنه سيُهزم أمام جيش عدده اثنان وثلاثون ألفًا فقط. شعور في منتهى الضعف، فإذا كان القائد والجيش كله بهذا الشعور فلا يمكن أن تقوم له قائمة، أو ينتصر في معركة، ثم في هذا اللقاء بين زهرة ورستم على القنطرة يميل الرفيل على زهرة، ويعلن له إسلامه؛ فيثبته زهرة على ذلك، ويقول له: ابقَ في مكانك. يقصد في أرض فارس؛ لكي ينقل أخبار الجيش الفارسي للمسلمين، ويظل الرفيل في الجيش الفارسي وهو يخفي إسلامه.

السابق
الإعداد للقادسية ووصية عمر
التالي
رستم قائد الفرس يرى رؤيا تفزعه