أحكام الشريعة الاسلاميه

حكم عيد الام

مكانة الأمّ

الأمُّ هي منبتُ الإنسان وأصله، وفي قرارات أرحام الأمّهات تشكّل الأبناء خلقاً من بعد خلقٍ، وطوراً بعد طورٍ، ينبتون تحت أضلاعها، ويكبرون في حواشيها، ويتغذّون من دمها وجسدها، الذي يصيبه الوهن يوماً بعد يوم؛ ليكبر ذلك الجنين في بطنها، وهي تناظر اليوم بعد اليوم، بل الساعة تلو الساعة؛ لترى حملها بين يديها، فتنسى في هذه اللحظة مرارة الحمل، وأوجاع الولادة؛ فكيف لا تكون الأم أغلى كنزٍ وأعظم منحةٍ إلهيةٍ، وهي بعد ذلك لا تكلّ ولا تملّ تعهّداً وتربيةً وتطبيباً ورعايةً وتغذيةً، وغاية مناها وراحة ضميرها أن ترى أبناءها قد حقّقوا آمالهم، وبنوا أنفسهم، واستقلّوا بذاتهم، والإسلام دينٌ نالت الأمُّ فيه مكانةً لا نظير لها، ولا قريب منها، سطّرتها كثيرٌ من الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة، ولكنّ الناس في العالم المعاصر، مسلمين وغير مسلمين، اصطلحوا على تسمية يومٍ خاصٍّ للاحتفال بالأمّ، وأسموه عيد الأم، فما حكم الشرع في عيد الأم؟

حكم عيد الأمّ

إنّ للعلماء في حكم عيد الأمّ أقوالاً، ولكلّ قولٍ مستنده الذي انطلق منها لتبرير الحكم الذي توصّل له به، وتفصيل أقوالهم على النحو الآتي:

  • ذهب فريق من أهل العلم إلى أنّ ما تعارف الناس على تسميته بعيد الأمّ، ليس عيداً بالمفهوم الشرعي للعيد، وإن سمّوه عيداً، وإنّما هو يوم يقومون فيه بالتواصل مع أمهاتهم، وتقديم الهدايا لهنّ، من باب الوفاء والاعتراف بفضلهنّ، وقد تعارف الناس في كلّ بلاد العالم على أنّ للأمّ منزلةً خاصةً على من سواها، وتكريم الأمّ بيوم مخصوصٍ ضمن المفهوم السّابق أمرٌ تنظيمي، وليس فيه ما يتعارض مع التّشريع الإسلامي، الذي يؤكد في مواطن كثيرة على أهمية الوفاء والبرّ والشكر للوالدين في كلّ الأوقات والأزمان، فقد قال الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)،[١] كما أنّ مرتبة برّ الوالدين والإحسان إليهما في الإسلام مرتبةٌ عظيمةٌ؛ فهي فريضة واجبة، ولا شكّ أنّ التّجرّأ بالإساءة إليهما أوعقوقهما من كبائر الذنوب، وصدق الله إذ يقول: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).[٢][٣]
  • إنّ تكريم الأمهات في يوم الأم لا يدخل في مسألة التّشبه المحظور بالأغيار، بل إنّ الفهم السليم له على أنّه من الحكمة التي هي ضالة المؤمن، وحيثما وجدها فهو أجدر وأحقّ بها، ويزداد تأكيد هذا الفهم للمسألة عندما نجد أنّ موضوع برّ الوالدين وإدخال السّرور إلى قلبيهما متعمّق في نصوص الشريعة الإسلامية، ولا يتعارض معها، ويتأصّل هذا الفهم عندما نجد أنّ المسلمين قد صاموا يوم عاشوراء بالرغم من أنّ اليهود سبقوهم في صيامه، وهم يعلمون، وقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يومها، مع علمهم بصيام اليهود له: (نحنُ أحقُّ بموسى منْكم)؛[٤] فصامه وأمر بصيامه، وقياساً عليه فالمسلمون أحقّ وأولى بتكريم أمهاتهم في هذا اليوم من غيرهم.[٣]
  • لا يصحّ إنزال قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لتتَّبعنُّ سَننَ الَّذين من قبلِكم، شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتَّى لو دَخلوا في جُحرِ ضبٍّ لاتَّبعتموهم، قُلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنَّصارَى؟ قال: فمَن ؟)،[٥] على مسألة تخصيص يومٍ للاحتفال بيوم الأمّ؛ إذ إنّ المقصود بحديث النبي -عليه السلام- نهي المسلمين عن إتباع غيرهم من الأمم في الأمور المحرّمة، وكذلك في أمور خصوصياتهم الدينية، التي لا تتوافق مع شرعة الإسلام وهداه، أما موافقة غير المسلمين في الأمور المباحة والنافعة التي لا تعارض شرع الله -عزّ وجلّ- فلا يدخلها النهي ولا بأس بها، وقد جاء عن القاضي عياض -رحمه الله- تأكيده على هذا الفهم للحديث، وأنّه خاصٌ فيما نهى الشرع عنه وذمه من أمرهم وحالهم.[٣]
  • يجدر التنبّه إلى أنّ تكريم الأمّ والإحسان إليها وبرّها واجبٌ شرعيٌّ مطلوبٌ من الأبناء في كلّ وقتٍ وحينٍ، في حالٍ حياتها أو مماتها، حيث يكون بعد وفاتها بالدعاء لها بالرحمة والمغفرة، وبصلة الأرحام التي نشأت بسببها، كوالديها وأخواتها وإخوانها وأبناءها وبناتها، ويكون أيضاً بإكرام صديقاتها.
  • ذهب فريقٌ آخر من أهل العلم إلى تحريم الاحتفال بهذا اليوم، ورأوا أنّ الأعياد في الإسلام أعيادٌ توقيفيةٌ، واستدلوا على قولهم بنهي النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عن اللعب في يومين كان أهل المدينة المنوّرة يمرحون بهما، حيث قال عليه السلام: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أبدَلكم بهما خيرًا منهما: يومَ الأَضْحى، ويومَ الفِطْرِ)،[٦] وقالوا إنّ استحداث عيدٍ للأمّ وآخر للطفل، وعيدٍ للمعلم والعامل لم يأذن بها الشرع، وكلّها وما شابهها أعيادٌ بدعيّةٌ، ويجدر بالمسلم أن تمرّ عليه هذه الأيام دون تخصيصٍ لها بالاحتفال، بل قال بعض الباحثين المعاصرين أنّ عيد الأمّ من البدع القبيحة، وليس من العادات الحسنة في شيء.[٧]

تاريخ الاحتفال بعيد الأمّ

عيد الامّ والاحتفاء به وليد العصر الحديث، وقد كانت بدايته ونشأته على النحو الآتي:

إقرأ أيضا:تشجيع الاسلام للعمل والعمال
  • تشير الدراسات التاريخية إلى أنّ مفهوم عيد الأمّ وتخصيص يومٍ للاحتفال به كان منشأه في العصر الحديث، حيث دعت إمرأةٌ أمريكيةٌ كانت شديدة التعلّق بوالدتها إلى الاحتفال بعيد الأمّ، وبعد مرور عامين على وفاة والدتها قامت تلك المرأة من جديد بحملةٍ واسعةٍ للاحتفال بعيد الأم، بل دعت المسؤولين إلى إعلان يوم عيد الأمّ عطلةً رسميةً في البلاد، وبناء على طلبها فقد استجاب حاكم ولاية فرجينا التي كانت تقيم فيها، وأصدر أوامره لإقامة الاحتفال بعيد الأمّ في الثاني عشر من شهر آذار عام 1907م، وكان هذا أوّل احتفالٍ رسمي بعيد الأمّ في أمريكا، ومع مرور عدّة أعوامٍ كانت كلّ الولايات المتحدة الأمريكية تحتفل رسمياً بالأمّ في هذا اليوم، ثمّ تبع ذلك دخول هذا الاحتفال إلى أمريكا اللاتينية وكندا والصين واليابان، وفي عهد الرئيس الأمريكي ويلسون أمر بالاحتفال بعيد الأمّ في الأحد الثاني من مايو في جميع الولايات المتحدة، وانتشرت الفكرة بعد ذلك في كلّ أنحاء العالم، وشرعت كلّ الدول بتحديد يومٍ للأمّ تراه مناسباً للاحتفاء بها، وتعدّدت صور وأشكال ومظاهر الاحتفال بهذا اليوم بين دول العالم.[٨]
  • اقترح علي أمين ومصطفى أمين وهما مؤسسا دار أخبار اليوم في مصر في خمسينيات القرن التاسع عشر أن يخصّص يومٌ للأمّ يذكر فيه منزلتها وفضلها، وكان ذلك على إثر تلقّيهم اتصالاً من أمٍّ مات عنها زوجها مبكّراً، وترك لها ذريّةً من الأبناء، وظلّت تقيم على تعهّدهم وتربيتهم حتى أوصلتهم إلى مرحلة الاستقلال بحياتهم، ثمّ بادلوها برّها لهم جفاءً؛ فلم يبرّوها حتى بالزيارة أو مجرّد السؤال عن أخبارها، وقد لاقت الفكرة ترحيباً؛ فاحتفلت مصر بأول عيدٍ للأمّ في الحادي والعشرين من شهر آذار، وكان ذلك عام 1956م، وانتقلت الفكرة إلى البلاد العربية والإسلامية
السابق
ما حكم توصيل الشعر
التالي
التأمل في خلق الله تعالى