أحكام الشريعة الاسلاميه

حكم الصيام في السفر

دين الرّحمة

جاء الدّين الإسلاميّ بالرّحمة والخير للناس جميعاً؛ حيث لم يفرض عليهم إلا ما في استطاعتهم أداؤه، وقد جعل لتلك الفرائض التي افترضها عليهم حالاتٍ استثنائيّةً لمن مرّ به عارضٌ يحول بينه وبين أداء ما افترضه الله عليه، مثل: إباحة الصّلاة جالساً لمن عجز عن القيام، وإباحة ترك الوضوء لمن كان به مرضٌ شديدٌ يؤثّر عليه الماء، ومنها كذلك جواز جمع الصّلاة في السّفر والمطر، ومن ذلك أيضاً أن أباح الله -سبحانه وتعالى- للصّائم في شهر رمضان بعض الرُّخَصِ إذا مرّت به بعض الأعذار، مثل: المرض، والضّعف، والإرضاع، والحمل، ومن هذه الرُّخَص أيضاً السّفر، فقد أباح الله -سبحانه وتعالى- للمُسافر أن يفطر في رمضان؛ ليتقوّى على السّفر، فما حُكم الصّيام للمسافر، وهل هو مُلزَمٌ بالفطر أم أنّه مُخيَّر؟ ذلك ما ستبحثه هذه المقالة بتوفيق الله.

حُكم الصّيام في السّفر

كما مرَّ في مطلع المقالة فقد أباح الإسلام الإفطار للمسافر؛ حتّى يتقوّى على سفره، ويصبر عليه ويتحمّله، فإن كان المسلم في سفر وصادف سفره أيّام شهر رمضان، ثمّ أحبّ مواصلة الصّيام في شهر رمضان وترك الفطر، فهل ذلك جائزٌ شرعاً؟ الحقيقة أنّ هذه المسألة من المسائل المطروحة في الفقه الإسلاميّ؛ حيث اختلف فيها العلماء على عدّة أقوال، بيانها فيما يأتي:[١]

إقرأ أيضا:حكم بيع الكلاب
  • ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة في قولٍ لهم، إلى أنّ صيام المسلم في السّفر أفضل من الفطر، شرط ألّا يجهده الصّيام ولا يضعفه؛ بحيث يعجز عن مواصلة سفره، أو يودي به إلى التّهلُكة، وقال الحنفيّة والشّافعيّة: إنّ الصّيام للمسافر في رمضان مندوب، أمّا دليلهم على ذلك فهو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)،[٢]، إلى قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ)،[٣] فقد دلّت الآيات في عمومها على أنَّ الصَّيام في السّفر عزيمة، والإفطار فيه رخصة، والعزيمة أفضل من الرّخصة بلا شكّ، كما استدلّوا بحديث أبي الدّرداء -رضي الله عنه- حيث قال: (خرجْنا مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في شهرِ رمضانَ في حَرٍّ شديدٍ، حتّى إن كان أحدٌ لَيضعُ يدَه على رأسِه من شِدَّةِ الحَرِّ، وما فينا صائمٌ، إلا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ).[٤]
  • يرى الحنابلة أنّ الإفطار في السّفر أفضل من الصّيام، وهو مذهب عبد الله بن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهما، وسعيد بن المسيّب، والشّعبيّ، والإمام الأوزاعيّ، قال الخِرَقِيّ: (والمسافر يُستحَبّ له الفِطر)، وقال المرداويّ: (وهذا هو المذهب)، وقد استدلّ أصحاب هذا القول بحديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: (كان رسولُ اللهِ -صلّى الله عليه وسلّم- في سفرٍ، فرأى زِحامًا ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائمٌ، فقال: ليس من البرِّ الصّومُ في السّفرِ)،[٥] وزاد في رواية من طريقٍ آخر: (عليكم برخصة اللّه الّذي رخّص لكم، فاقبلوها)، وقد ردّ الإمام النوويّ والكمال بن الهُمام المُراد هذا الحديث على مَن يتضرّر بالصّيام، ويبقى الصّوم أفضل برأيهم.
  • يرى الفريق الثالث التّسوية بين الصّيام في السّفر والإفطار، ويرجع ذلك إلى تقدير الصّائم وعلمه بقُدرته على الصّيام أو عدمها، فإن شاء صام ولا شيء عليه، وإن شاء أفطر ولا شيء عليه، وقد استدلّ أصحاب هذا القول بحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: (سأل حمزةُ بنُ عَمرو الأسلميُّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن الصّيامِ في السَّفرِ، فقال: إن شئتَ فصُمْ، وإن شئتَ فأَفطِرْ).[٦]

أوقات يُرخَّص فيها الفطر في السّفر

اشترط الفقهاء للمسافر الذي يريد الإفطار في نهار رمضان لعُذر السّفر شروطاً عدّةً؛ يشترك جزءٌ منها مع شروط جمع الصلاة وقَصرِها بسبب السّفر، ومن أهمّ تلك الشّروط ما يأتي:

إقرأ أيضا:تعريف الرقية الشرعية
  • بلوغ مسافة القَصْر: فيُشترط لجواز الإفطار للمسافر في السّفر أن يكون سفره أزيَد من المسافة التي يجوز له فيها جمع الصّلاة وقصرها، وقد اختلف العلماء في تقدير مسافة القصر؛ حيث يرى علماء الحنفيّة أنّ مسافة القَصر تكون بأن يسير المسافر ثلاثة أيّامٍ أو ما يُعادلهُنّ،[٧] وقد قاسوا تلك المسافة بالحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: (لا تُسافِرُ المَرأَة ثلاثة أيّام إلا مع ذي مُحرم)،[٨] بينما يرى المالكيّة أنّ مسافة القصر تساوي أَربَعة بُرُد؛ أي ثمانيةً وأربعينَ مِيلًا، وتُعادل مسيرة يوْمٍ وليْلة،[٩] أمّا الشافعيّة فيرَون أنّ مسافة القصر مَسِيرَةُ يومَين كاملَين، وهو قول عبد الله بن عباس، وابن عمر، والليث، ويرى الحنابلة أنّ مسافة السَّفَر المُجيزة للقصر تبلغ مَسيرَة يومٍ تامّ؛[١٠] فإن بلغ المسافر تلك المسافات أو ما يُوازيها عبر وسائل المواصلات المتوفّرة حاليّاً جاز له الفطر؛ بسبب السّفر في رمضان وإلّا لم يجُز له ذلك.[١١]
  • مُجاوزة البنيان والخروج ليلاً: حيث يُشترَط للمسافر الذي يريد الفطر في رمضان أن يُجاوِز في سفره البنيان -منازلَ أهلِه- بحيث لا تظهر له إن نظر إليها، فلا يجوز للمسافر أن يُفطر بمجرّد أن ينوي السّفر، وقد اشترط جمهور العلماء أن يكون سفره قبل طلوع الفجر، فإن سافر بعد طلوع الفجر وجبت عليه تتمّة الصّيام إلى الغروب، وخالف الحنابلة في ذلك فأجازوا للمسافر الإفطار في نهار رمضان حتّى لو كان سفره بعد شروق الشّمس.[١٢]

شروط وجوب صيام رمضان

تُشترَط لوجوب الصّيام عموماً، وصحّته، وقبوله من المسلم عدّة شروط؛ بيانها فيما يأتي:[١٣]

إقرأ أيضا:ما هو حكم تدخين الحشيش
  • البلوغ: فلا يجب الصّيام في رمضان على من لم يبلغ الحِلم، ولم يكن أهلاً للصّيام.
  • القدرة: لا يجب الصّيام على غير المُستطيع، مثل: العاجز، والشّيخ الكبير، والمريض، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ).[١٤]
  • الإقامة والاستقرار: الصّيام غير واجبٍ على المسافر، بل يجوز له الإفطار كما قال الفقهاء، وكما تمّ بيانه آنفاً لقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).[١٤]
  • الإسلام: لا يجب الصّيام على غير المسلم، مثل: المُشرك، والكافر؛ لكونهما ليسا من أهل التّكليف.
  • العقل: لا يجب الصّيام على السّفيه والمجنون؛ حيث إنّ العقل مناط التكليف، فإذا ذهب التّكليف ذهب الحُكم.
  • الطّهارة من دم الحيض والنَّفاس: فلا يجب الصّيام على الحائض والنّفساء؛ لخروجهما عن حال الطّهارة، وحاجتهما للتقوّي بالطّعام والشّراب
السابق
ما حكم نسيان إخراج زكاة الفطر
التالي
ما حكم الخمر