من البعثة إلى الهجرة

الهجرة إلى الحبشة دروس وعبر

لما رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم ـ ما يصيب أصحابه من العذاب والبلاء ـ من كفار قريش ـ ، أشار عليهم أن يهاجروا إلى الحبشة ، لعلمه أن ملكها النجاشي ملك عادل ، لا يُظلم عنده أحد ، فخرج أول فوج من الصحابة مهاجرا إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة ، وكان رحيلهم تسللاً تحت جنح الظلام حتى لا تشعر بهم قريش ، فخرجوا إلى البحر ، فوجدوا سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم ، ولما علمت قريش بخبرهم خرجت في إثرهم ، وما وصلت إلى الشاطئ إلا وكانوا قد غادروه في طريقهم إلى الحبشة ، حيث وجدوا الأمن والأمان ، ولقوا الحفاوة والإكرام من ملكها النجاشي الذي كان لا يظلم عنده أحد كما أخبر بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وقد وصفت أم المؤمنين أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ هذا الحدث فقالت : ( لما ضاقت علينا مكة ، وأوذي أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفُتِنوا ، ورأوا ما يصيبهم من البلاء ، والفتنة في دينهم ، وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يستطيع دفع ذلك عنهم ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منعة من قومه وعمه ، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه ، فخرجنا إليها أرسالاً ( جماعات ) حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً )(البيهقي) ..

إقرأ أيضا:المستجيبون للدعوة من غير أهل مكة

شق على المشركين إفلات من هاجر من المسلمين ووصولهم إلى مكان يأمنون فيه على إيمانهم وأنفسهم ، ومن ثم قرروا إرسال رجلين منهم ، وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، ليستردوا هؤلاء المهاجرين إلى مكة ، وأخذا معهما هدايا كثيرة للبطارقة والنجاشي ، ولم يتركوا من البطارقة بطريقا إلا أهدوا إليه هدية ، وقالا لهم : إنه قد ضوى إلى بلدكم غلمان سفهاء ، فارقوا دينهم ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد أتينا إلى الملك ليردهم إلينا ، فإذا كلمنا الملك في ذلك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ، فقالوا لهما : نعم ..
فأتيا النجاشي وقالا له ما قالاه للبطارقة ، فأيدهما البطارقة وقالوا : صدقا أيها الملك ، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم .. لكن النجاشي احتاط في الأمر ورأى أن يسمع القضية من الطرفين ، فدعا المسلمين وسألهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من الملل ؟ ، فتكلم جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقال :

” أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل منا القوى الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه ، وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك ..

إقرأ أيضا:رحلة الطائف دعوة وتربية

فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ ، فقال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأه علىَّ ، فقرأ عليه صدرًا من : { كهيعص }(مريم:1) ، فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخْضَلُوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا .. فلما خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة : والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل ، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا ، ولكن أصر عمرو على رأيه ..

فلما كان الغد قال عمرو للنجاشي : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيماً ، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا ، ولكن أجمعوا على الصدق كائناً ما كان ، فلما دخلوا عليه وسألهم ، قال له جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول ، فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود” ..

إقرأ أيضا:فتور الوحي : الأسباب والمظاهر

وقد أسلم النجاشي ، وصدَّق بنبوة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وإن كان قد أخفى إيمانه عن قومه ، لما علمه فيهم من الثبات على الباطل وحرصهم على الضلال ، وجمودهم على العقائد المنحرفة ، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – : ( .. أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى ، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات )(البخاري)..

إن المتأمل والناظر في حدث الهجرة إلى الحبشة يلحظ حِكما ودروسا كثيرة ، منها :

ظهور شفقة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على أصحابه ، ورحمته بهم ، وحرصه الشديد للبحث عما فيه أمنهم وراحتهم ، ولذلك أشار عليهم بالذهاب إلى ملك عادل لا يظلم أحد عنده ، فكان الأمر كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فأمِنوا في دينهم ونزلوا عنده في خير منزل .. فالرسول – صلى الله عليه وسلم – هو الذي وجَّه الأنظار إلى الحبشة ، وهو الذي اختار المكان الآمن لدعوته وصحابته ، كي يحميهم ، وهذه تربية نبوية لقيادات المسلمين في كل عصر أن تخطط بحكمة لحماية الدعوة وأتباعها ، وتبحث عن الأرض الآمنة التي تكون مركزاً من مراكز انطلاقها .. وفي ذلك أيضا دلالة على حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعرفته بما حوله من الدول والممالك ، طيبها من خبيثها ، وعادلها من ظالمها ..

كذلك أظهرت الهجرة إلى الحبشة فقه الحوار ، والحكمة في الدعوة إلى الله ، فكان عمرو بن العاص – رضي الله عنه – وهو يمثل في تلك المرحلة عداوة الله ورسوله على مستوى كبير من الذكاء ، فشحن كل ما لديه من حُجة ، وألقى بها بين يدي النجاشي ، خاصة في قوله : فهم لا يشهدون أن عيسى ابن مريم إلهاً ، فليسوا على دين قومهم وليسوا على دينك .
وهنا ظهرت حكمة جعفر ـ رضي الله عنه ـ وفقهه في رده على كل الشبه والاتهامات الباطلة ، فبدأ كلامه بتعديد عيوب الجاهلية ، وعرضها بصورة تنفر السامع ، وقصد بذلك تشويه صورة قريش في عين الملك ، وركز على الصفات الذميمة التي لا تنتزع إلا بدين ونبوة .. ثم عرض شخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذا المجتمع المليء بالرذائل ، وكيف كان بعيداً عن النقائص كلها ، ومعروفاً بنسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ المؤهل للرسالة ..

ثم أبرز جعفر ـ رضي الله عنه ـ محاسن الإسلام وأخلاقه التي تتفق مع أخلاقيات دعوات الأنبياء ، كنبذ عبادة الأوثان وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وعندما طلب النجاشي شيئاً مما نزل على محمد – صلى الله عليه وسلم – ، جاء بصدر سورة مريم ، التي تتحدث عن مريم وعيسى ـ عليهما السلام ـ وذلك غاية في الإحكام والحكمة ، والروعة والتأثير ، حتى بكى النجاشي وأساقفته .. ثم أوضح للنجاشي عقيدة المسلمين في عيسى ـ عليه السلام ـ وأمه ، فهو عبد وليس بإله ، ولا يُخاض أبدا في عِرْض مريم – عليها السلام – كما يخوض الكاذبون ، بل عيس ابن مريم كلمته وروحه ألقاها إلى مريم البتول العذراء الطاهرة ، وليس عند النجاشي زيادة عما قاله جعفر ـ رضي الله عنه ـ ..
ومن ثم انتهى الأمر والحوار بأن أعلن النجاشي صدق جعفر ـ رضي الله عنه ـ ، وعزم على أن يكون في خدمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي يأتيه الناموس كناموس موسى ..

ولا عجب من حكمة جعفر ـ رضي الله عنه ـ فقد تربى على يد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي قال عنه : ( أشبهت خَلقي وخُلُقي )(البخاري) ..

لقد كانت الهجرة إلى الحبشة حركة إيجابية ، ورؤية مستقبلية ، وتجاوزا لحالات الحصار والعذاب ، وانطلاقا إلى أرض جديدة ، كما أنها امتداد بالدعوة إلى خارج الحدود الضيقة والقلوب المتحجرة ، فدعوة الإسلام عالمية ، والداعية المسلم الحكيم هو الذي يغير موقعه ولا يغير هدفه وغايته ..
وهكذا هيأ الله لعباده المؤمنين المستضعفين ـ بهذه الهجرة ـ المأوى والحماية من أذى قريش ، وأمَّنهم على دينهم وأنفسهم ، واستطاعوا ـ فضلا عن المحافظة على دينهم وأنفسهم ـ أن ينشروا دينهم ودعوتهم وأن يكسبوا أرضاً جديدة تكون منطلقاً لرسالة الإسلام ودعوته ..

السابق
من أحداث السنة الثانية من الهجرة
التالي
أمهات المؤمنين