فتح العراق وفارس

الإعداد للقادسية ووصية عمر

ملخص المقال

    القادسية, تعد معركة القادسية من المعارك الإسلامية الفاصلة ووصية عمر من الوصايا الخالدة حيث حث الناس على الجهاد، وتحرك الجيش من المدينة بقيادة سعد بن أبي
كان التوافق في الرأي بين عمر والمثنى في رسالتيهما المتبادلتين على غير اتفاق -والتي ينصح فيها كلٌّ منهما الآخر بأن الفرس لا تُقاتَل إلا على أبواب الصحراء- يدل على بُعد النظر وعمق التفكير؛ فقد استفاد المثنى بن حارثةرضي الله عنه كثيرًا من تجاربه السابقة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المدينة يرى الرأي الصائب لعمق فكره، وحسن تخطيطه وإدارته رضي الله عنه.

عمر يحث المسلمين على الجهاد:

الإعداد للقادسية ووصية عمرأرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الأمراء والخطباء والشعراء في كل أطراف الجزيرة العربية لكي يحثُّوا الناس على الجهاد؛ فجاء إلى المدينة وفي وقت قليل -أقل من شهر- حوالي أربعة آلاف مسلم من الجزيرة العربية، منهم ثلاثة آلاف من اليمن وألف من قبيلة قيس، وقرروا أن يخرجوا للجهاد في سبيل الله سواء إلى الشام أو إلى العراق، لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختار العراق؛ لأن الشام في هذا الوقت كانت الحروب فيها قد تقدمت تقدمًا عظيمًا لصالح المسلمين تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح.

إقرأ أيضا:موقعة نهاوند

جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربعة آلاف مقاتلٍ في مكانٍ على بعد خمسة كيلو مترات من المدينة المنورة يُسمَّى “صرار”، وبدأ في تجهيز الجيش وتنظيمه؛ فجعل على الميمنة الزبير بن العوام رضي الله عنه، وعلى الميسرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وجعل نفسه على المقدمة، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد خرج رضي الله عنه بكل طاقة المدينة المنورة، وخرج هو على رأس هذا الجيش.

لم يكن عمر رضي الله عنه يرى أن من الحكمة أن يخرج بنفسه -وهو أمير المؤمنين والمسئول الأول عن الدولة الإسلامية الممتدة شرقًا وغربًا، والتي تحارب جيوشُها في أكثر من جهة لنشر الإسلام- مع الجيش الخارج للقتال في فارس ويترك المدينة المنورة، فكيف يكون الحال إذا قُتِلَ مثلاً؟ لا شك أنها ستكون كارثة، ولكنه خرج ابتداءً استكمالاً لبذل الجهد، وحثًّا للناس على الخروج للجهاد في سبيل الله.

فقال عمر رضي الله عنه للناس: أَشِيرُوا عليَّ. أي في أمر خروجي معكم.

فقال عامة الناس: سِرْ وسِرْ بنا معك.

عامة المسلمين -إذن- يريدون الخروج للحرب تحت إمرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه!

ونذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: والله إني وددتُ أني أبعث إلى الشام بأبي عبيدة بن الجراح، وإلى العراق بعمر بن الخطاب. ولكنه احتاجه للرأي والمشورة فأبقاه في المدينة، وكان أبو بكر رضي الله عنه يومها خليفةً للمسلمين، فكيف الحال الآن وأبو بكر رضي الله عنه قد تُوُفِّي: أتُتْرَكُ المدينة وهي مركز الإدارة للدولة الإسلامية دون أن يكون فيها عمر؟!

إقرأ أيضا:معركة القادسية.. اليوم الثاني والثالث

وافق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رأي العامة وهو لا يراه صوابًا، لكنه انتظر رأيًا آخر، فقام علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما -وهما من كبار الصحابة- وقالا كما قال العامة: سِر وسِر بنا معك.

فقام العباس بن عبد المطلب وقال: لا والله لا أرى ذلك رأيًا! بل تبقى في المدينة ويخرج على المسلمين أحد صحابة رسول الله .

وقام عبد الرحمن بن عوف وقال: والله إني أرى رأي العباس، لا تخرج من المدينة، وتبقى على إمرة المسلمين ويخرج غيرك على إمرة الجيش. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع لرأي العباس وعبد الرحمن بن عوف قبل ذلك كثيرًا، وهما ذوا خبرة وحكمة في الأمور، وكان المسلمون إذا احتاجوا شيئًا من عمر بعثوا له عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وإلا أرسلوا له العباس رضي الله عنهم جميعًا.

وبدأ المسلمون يتناقشون في هذا الأمر، فقام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال مخاطبًا عمر رضي الله عنه: اجعلني فداك بأبي وأمي، تبقى للمسلمين في المدينة، والله أخشى لو خرجت لقتال الفرس في العراق وقُتِلْتَ ألاّ يكبر المسلمون بعد ذلك، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله!!

سمع ذلك المسلمون فتراجع على الفور علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما عن رأيهما، وكانا من كبار أصحاب الرأي بخروج عمر رضي الله عنه مع الجيش، وعندما رأى عامة المسلمين تراجع هذين -رضي الله عنهما- وافقوا جميعًا على بقاء الفاروق رضي الله عنه بالمدينة، وخروج أحد صحابة النبي على إمرة الجيش.

إقرأ أيضا:بداية فتوحات العراق

اختيار قائد الجيش:

ظهرت مشكلة أخرى أمام عمر رضي الله عنه وأمام المسلمين، وهي اختيار قائد لهذا الجيش الخارج لقتال الفرس في هذه الموقعة الفاصلة التي يُعِدُّ لها الفرس كل ما لهم من طاقة للقضاء على المسلمين تمامًا، وقد كانوا يعتقدون أن قوة المسلمين قد انتهت في معركة الجسر، ولكن ما إن انتصر المسلمون في “البُوَيب”، وبدأت الغارات الإسلامية على الأسواق داخل الأراضي الفارسية، حتى أعدَّ الفرس كل ما لديهم من العدد والعتاد تحت قيادة رستم أعظم قائد في تاريخ فارس، كما يقول المؤرخون.

لا بد -إذن- أن تكون القيادة الإسلامية على مستوى هذه المعركة الفاصلة والحاسمة. واجتمع قادة المسلمين للتشاور في هذا الأمر المهم للغاية، وبدءوا في عرض الأسماء المؤهلة لهذا الأمر الجلل، ولم يستقروا بعدُ على اختيار القائد العام للجيش، وفي هذه اللحظات وهم ما زالوا في صرار، وصلت رسالة من هُذيل -وهي منطقة تقع شرقي مكة، وكان يحكمها أحد كبار أصحاب النبي، وكان قد أمَّره عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه– تقول الرسالة: إن أمير هذه المنطقة -وهو هذا الصحابي الجليل- قد جمع الزكاة والصدقات، وأنه قد أعدَّ ألف فارس من ذوي النجدة، وقرأ عبد الرحمن بن عوف الرسالة قبل أن تصل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب: واللهِ وجدته.

قال عمر: من؟

قال: الأسد في براثنه. فعرفه عمر رضي الله عنه على الفور، ووافق على قيادة هذا الأسد للجيش.

وأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردًّا على رسالته أن قبلنا الصدقات، وأَرْسِلِ الجندَ، وأنت أمير الجيوش. ويأتي هذا الصحابي تلبية لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويصبح أميرًا على هذا الجيش.

فمَنِ الأسد في براثنه؟

إنه سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه.

مناقب سعد بن أبي وقاص:

أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين استخلفهم عمر رضي الله عنه للخلافة بعد وفاته، وهو خال رسول الله -ابن خالة أمه – وكان النبي يفاخر به القوم مداعبًا صحابته رضي الله عنه، ومفاخرًا للأقوام التي تأتي له، ويقول: “هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ”.

وهو رضي الله عنه خامس من أسلم على وجه الأرض برسالة النبي محمد ، وقيل هو السابع.

والأربعة الذين قبله أبو بكر الصديق، والسيدة خديجة، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، والخامس هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان قد أسلم على يد الصديق رضي الله عنه، وكان عمره عند إسلامه سبعة عشر أو تسعة عشر عامًا.

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هو الوحيد الذي فداه الرسول بأبيه وأمه، ففي غزوة أحد كان الرسول يقول له: “ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي”.

كان عمله رضي الله عنه هو بري النبال وسنُّ السيوف، ومن أثر هذه المهنة عليه أنه كان من أشد الناس إجادة في الرمي، فقَلَّما كان يخطئ في الرمي، وكان دائم الحراسة لرسول الله، وكان ممن يحمون رسول الله في غزوة أُحد، وقد أطلق في يومه أكثر من مائة سهم، وكان أقرب الناس للرسول.

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هو أول من أطلق سهمًا في الإسلام، فبعد أن استقر الرسول في المدينة أرسل سرية بقيادة عبيد بن الحارث لاعتراض قافلة لقريش، وكان سعد رضي الله عنه هو أول من أطلق سهمًا على هذه القافلة، ولكن هذه القافلة استطاعت الهروب، وكان ذلك قبل موقعة بدر.

وكان الرسول يدعو له: “اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمَيْتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ”. وبعد أن دعا له النبي بهذه الدعوة لم تُرد له دعوة، ولم تخطئ له رمية.

وكان أحد اليهود قد أخطأ في حق سعد رضي الله عنه فصبر عليه، ثم أخطأ في حقه فصبر عليه؛ فلما نفد صبره دعا عليه قائلاً: اللهم أهلكه بدابة عظيمة. وبعدها بقليل دخل جملٌ عظيمٌ السوقَ، وتتبع الجمل هذا الرجل اليهودي، والرجل يهرب منه في وسط الزحام ويقول: والله إنها لدعوة سعد!! حتى أهلكه الجمل.

وصية عمر لسعد بن أبي وقاص:

عند خروج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من صرار متجهًا إلى العراق، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “يا سعد، لا يغرنّك أن قيل: إنك خال رسول الله ؛ فإنه ليس لله نسب إلا الطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ بُعِث حتى فارقنا، فالزمه فإن ذلك الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتَها ورغبت عنها حبِطَ عملك، وكنتَ من الخاسرين”.

وعندما خرج بالجيش ناداه عمر رضي الله عنه موصيًا إياه قائلاً: “إن الله إذا أحب عبدًا حبَّبه، وإذا أبغض عبدًا بغّضه، فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس”.

يخرج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على رأس أربعة آلاف مقاتلٍ، ويتوجه بداية من “صرار” إلى “زرود” وهي على بعد 585 كم من المدينة، وهي كما نرى مسافة كبيرة، فيقول له عمر رضي الله عنه: “اذهب إلى “زرود”، وإذا وصلت إليها فانشر جيشك حول الماء -وكان بهذا المكان آبارٌ كثيرة- حتى يأتيك مدد آخر، واجمع من استطعت ممن حولك”.

إذن فسعد رضي الله عنه يتحرك خطوة بخطوة وَفْقَ أوامر وترتيبات عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا على عكس ما كان يتبعه أبو بكر رضي الله عنه حيث كان يعطي القائدَ الخطة العامة ويتركه يتصرف ويتحرك حسبما يرى، ومع ثقة عمر رضي الله عنه بقواده ثقة كاملة، وحسن اختياره لهم إلا أنه يرى أن من مسئولياته أن يتابع تحركات الجيش خطوة خطوة، ويقول لعامة المسلمين: إنني بينكم وبين الله، وإنه ليس بيني وبين الله أحد. أي أنه يريد أن يقول لهم: إنهم إذا أخطئوا فسيسأله الله عنهم، أما هو إذا أخطأ في حق المسلمين فلن يُسْأَل عن هذا الخطأ غيره.

ومن ثَمَّ يأمر سعدًا رضي الله عنه أن يبقى في “زرود” حتى تأتيه أوامر أخرى بمتابعة التحرك بالجيش.

يصل سعد رضي الله عنه إلى “زرود”، ويعسكر هناك منتظرًا المدد، وجامعًا للناس أيضًا من النواحي القريبة، وفي هذا التوقيت يصل إلى المدينة ألفان من اليمن وألفان من نجد، فيرسلهم عمر رضي الله عنه إلى “زرود” حيث يعسكر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وكان عمر رضي الله عنه لا يدع ذا سطوة، ولا ذا رأي أو جاه، ولا شاعرًا ولا خطيبًا إلا أرسله تجاه العراق حتى تتبعهم أقوامهم، وكان يقول: واللهِ لأضربنَّ ملوك الفرس بملوك العرب.

وصل تعداد جيش سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد هذا المدد إلى ثمانية آلاف جندي.

وتحرك سعد رضي الله عنه في المنطقة التي يعسكر فيها باحثًا عن جنود ينضمون للجيش، فذهب إلى قبيلة تميم -تقع شرق زرود- فجنَّد منها ثلاثة آلاف، ثم غرَّب وذهب إلى قبيلة أسد فجنَّد منها ثلاثة آلاف، ومن منطقة الرَّباب -وهي منطقة قريبة من البحرين- جمع منها ألفًا من المسلمين، ومن منطقة ربيعة في شمال الجزيرة العربية القريبة من فارس تحرك ألفان من المقاتلين، فكان المُثنَّى أقرب إليهم من سعد، فتحركوا نحو المثنَّى، فوصلت القوة الإسلامية في فارس عشرة آلاف مقاتل، ثم أتت الأوامر من عمر رضي الله عنه إلى سعد رضي الله عنه أن تحرَّك من “زرود” وانزل في “شراف” وهي منطقة في منتصف الطريق بين “زرود” والحيرة، فتحرك ووصل إليها فوصل تعداد الجيوش إلى خمسة وعشرين ألفًا، ثم جاء مدد آخر من المدينة ومن مناطق أخرى كان قوامه سبعة آلاف مقاتل، فوصل تعداد القوة الإسلامية في “شراف” إلى 32000 ألف مقاتل، وهي أكبر قوة إسلامية تتوجه إلى فارس حتى هذه اللحظة.

ونذكر أن هناك قوة إسلامية أخرى قوامها 38000 جندي في اليرموك، لكن هذه أكبر قوة تتوجه إلى فارس، فهي طاقة إسلامية ضخمة متوجهة لفتح فارس.

ويرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصية جديدة إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهي من الوصايا التي ظلت محفوظة كأفضل وصية أعطيت لجيش من جيوش المسلمين، وظل الأمراء بعد ذلك يوصون بها جيوشهم، وتحمل الوصيةُ المنظور الصحيح للحرب في الإسلام، كما تحمل الكثير من المعاني العظيمة، وسنعرض هذه الوصية بشيءٍ من التفصيل، لعلنا أن ننتفع بها في واقعنا كما انتفع بها أسلافنا في واقعهم.

الوصية العمرية الخالدة:

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في هذه الوصية:

“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد.. فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو، وأقوى العدة في الحرب”.

هذا ما بدأ به الفاروق الحكيم رضي الله عنه وصيته، فإن أفضل سلاح لمحاربة الأعداء هو تقوى الله، وإذا لم يتوافر هذا السلاح فلا قيمة لأي سلاح آخر مهما بلغت قوته وعَظُمَ شأنه.

“وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ولن نغلبهم بقوتنا”.

يضع الفاروق رضي الله عنه يد المسلمين على مفاتيح النصر الحقيقة، ويعلمهم أن النصر إنما يأتي بطاعة الجيش لله، وليس النصر بالعدة أو العتاد، وإلا لكان في جانب العدو؛ فإنهم أكثر قوة وعتادًا، فإذا تساوى الجيشان في المعصية فهما عند الله سواء، فلن يكون الله معنا ولن يكون معهم فينتصروا علينا بالعدة والعتاد، فقوتنا إنما هي أن الله معنا، وإذا افتقدنا هذا العنصر -عنصر القوة من الله- كانت لهم الغلبة؛ لأنهم دائمًا يكونون أكثر عددًا وعدة.                                                                                                                                                                  “واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله”.

يأمرهم رضي الله عنه ويذكرهم بالحياء من الملائكة الذين معهم ولا يفارقونهم، وبالحياء من الله؛ لأنهم إنما خرجوا جهادًا في سبيله. ثم يلفت نظرهم إلى أمرٍ مهم وخطير، نحن في واقعنا أحوج إليه من غيرنا يقول رضي الله عنه:

“ولا تقولوا: إن عدونا شرٌّ منا ولن يُسلط علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قوم سُلِّط عليهم شَرٌّ منهم، كما سُلّط على بني اسرائيل -لما عملوا بمساخط الله- كفرةُ المجوس فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولاً”.

يذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهم نموذجًا عمليًّا يخالف ما قد يعتقده البعض من أن العدو -لا شكَّ- أكثرُ معصية منهم؛ لأنهم مسلمون وعدوهم كافر، فيضرب لهم هذا المثل ليمحوَ من أذهانهم هذا التصور المغلوط، مؤكدًا لهم أهمية الطاعة وخطورة المعصية عليهم. وهذه الصورة التي ضرب الفاروق رضي الله عنه بها المثل منطبقةٌ تمامًا على المسلمين في الواقع المعاصر؛ فقد سُلِّط عليهم بمعاصيهم وذنوبهم أخبثُ أهل الأرض، فنرى اليهود -وهم أشر الخلق- يتحكمون في المسلمين، ليس في فلسطين فقط بل في العالم كله، ويذيقون المسلمين في فلسطين سوء العذاب، ونرى الهندوس وهم عبدة البقر والفئران يذيقون المسلمين العذاب في كشمير، والشيوعيين وهم لا يعرفون ربًّا ولا إلهًا يعذبون المسلمين في كل الجمهوريات الإسلامية في جنوب روسيا، ونرى الشيشان وغيرها وما يجري من أحداث في هذه المنطقة، وكذلك الصِّرْب، وما من منطقة في العالم إلا والمسلمون مستضعفون فيها من قِبَلِ أُناسٍ هم أكثر معصية، بل إنهم مشركون ومع ذلك يُسلطون على المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين عصوا ربهم فسُلِّطَ عليهم العدُوُّ.

ويجب أن نأخذ هذا الأمر بشيءٍ من الاهتمام، فإن الإنسان -وهو في محيطه الضيِّق- ربما يذيقه أحد اليهود أو النصارى أو الظالمين العذاب، وربما يتعجب المسلم كثيرًا ويتساءل: كيف يحدث هذا وأنا مسلم وهذا كافر أو ظالم؟!!

والجواب يتضح من وصية الفاروق رضي الله عنه، وهو أن هذا الإنسان المسلم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في حياته وأعماله من طاعاتٍ ومعاصٍ، وفي حاجة إلى تنقيةِ قلبه، وعودة إلى ربه، وتوبة من الذنوب والمعاصي والآثام، وإنما تأخر النصر على المسلمين لكثرة المعاصي منهم.

“واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على أعدائكم”.

إلى هذه اللحظة لم تتطرق الوصية بعيدًا عن إصلاح النفس، والبُعد بها عن المعاصي والآثام، والاقتراب من الله نظرًا لأهمية هذا الأمر، وأثره الكبير في إحراز النصر على الأعداء.

ثم ينتقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصيته إلى سعد بن أب وقاص رضي الله عنه إلى جانب آخر من الجوانب المهمة، وهو كيفية التعامل مع الجيش والانتقال من مكان لآخر؛ يقول له:

“وترفق بالمسلمين في سيرهم، ولا تجشمهم سيرًا يتعبهم، ولا تقصّر بهم عن منزلٍ يرفق بهم؛ فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس”.

يشير عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الفقرة من هذه الوصية الخالدة إلى ضرورة راحة الجند وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، وتحيُّن أي فرصة يستريحون فيها من عناء السفر الطويل؛ ذلك لأنهم قادمون على عدو مقيم، فينبغي ألا تذهب طاقة الجند هباءً حتى إذا لاقوا عدوهم استطاعوا أن يحاربوا وهم ما زالوا من القوة بمكان، ثم يقول له:

“وأقم بمن معك كل جمعة (كل أسبوع) يومًا وليلةً؛ حتى تكون لكم راحة تجمعون فيها أنفسكم، وتلمون أسلحتكم وأمتعتكم”.

ثم تأتي هذه الوصية المهمة التي تُذكَر للمسلمين، وتدل على حسن معاملتهم للغير، يقول عمر رضي الله عنه:

“ونَحِّ (أي أَبعِدْ) منازلهم عن قرى أهل الصلح وأهل الذمة”. أي: لا تجعل أماكن نزولك وراحة جيشك بجوار قرى أهل الصلح وأهل الذمة. “فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا ترزأ أحدًا من أهلها شيئًا؛ فإن لهم حرمة ابتُلِيتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فَوَفُّوا لهم، ولا تنتصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح”.

هنا يظهر لنا حرص الفاروق عمر رضي الله عنه على عدم الظلم لأهل الصلح وأهل الذمة ممن قد يمر عليهم الجيش المسلم في مسيره، وإن اضطُرَّ لدخول هذه القرى لأي سببٍ، فلا يُدخِل إلا من يثق بأخلاقه، وألا يؤذي أحدًا من أهل هذه القرى، ويأمر بحفظ حرمتهم والوفاء بعهدهم وعدم ظلمهم.

توضيح دور المخابرات والسرايا

ينتقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جانب مهم من الجوانب الحربية وهو جانب المخابرات العسكرية، فيوضح الدور الذي تقوم به، ومهمته، وكيفية اختيار أفرادها، يقول رضي الله عنه:

“وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأزجِ العيون بينك وبينهم، ولا يخفى عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئنُّ إلى نصحه وصدقه.

وليكن منك عند دنوِّك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع عوراتهم (أي مخابئهم وتحركاتهم)، وانتقِ للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخيَّر لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوًّا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجِلاد.

ولا تخصَّ أحدًا بهوى فيضيع من أمرك ورأيك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجهٍ تتخوف فيه نكاية أو ضيعة. فإذا عاينت عدُوَّك فاضْمُم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع مكيدتك وقوتك كلها، ثم لا تعاجلهم المناجزة حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، ثم أزج حراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك. ولا تُؤتى بأسير ليس له عهد إلا قطعت رقبته؛ لترهب به عدو الله وعدوك”.

وقفة مع قضية الأسرى من الناحية الفقهية:

قضية الأسرى متروكة لإمام المسلمين فإما أن يعفو عنهم منًّا بغير فداء، وإما أن يفديهم بمال، أو بتعليم كما فعل النبي في غزوة بدر، أو يبادلهم بأسرى، أو بأي فداء يقرره إمام المسلمين، وإما أن يقتلهم.

فإذا كان المسلمون في قوة ومنعة وسيطرة على أعدائهم، فللإمام أن يطلق الأسرى منًّا بغير فداء، كما فعل الرسول مع أهل مكة، وفي ذلك تأليف للقلوب، وترغيب لهم في الإسلام.

أما إذا كانت قوة المسلمين أضعف من قوة الجيش المعادي الذي يفوقهم في العدد والعدة، فيُقتَل الأسيرُ ليُرهب به عدو الله وعدو المسلمين، ولأنه ليس لدى المسلمين القدرة أو الطاقة على حماية هؤلاء الأسرى أو إطعامهم أو السيطرة عليهم.

وإذا نظرنا -مثلاً- إلى جيشٍ كجيش خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة (أُليّس)، كان قوام الجيش الإسلامي 18000 من المسلمين، والجيش المقابل له 100000، أسر منهم خالد بن الوليد 70000، فمن يحمي هؤلاء السبعين ألفًا؟! إن الجيش الإسلامي بكامله لا يستطيع حمايتهم أو السيطرة عليهم، بل إنهم يمثلون خطورة بالغة على المسلمين، ولا يتحقق استكمال الفتح إلا بقتلهم.

ومع هذا العدد الذي وصل إليه الجيش الإسلامي في قواته إلا أن لدى الفرس من الأعداد ما لا يُحصى؛ فقد قُتِلَ من الفرس في معركة (الفراض) مائة ألف، وفي (أُلَّيس) سبعون ألفًا، وفي (الأنبار) أكثر من عشرة آلاف، وفي (عين التمر) ثلاثون ألفًا، وفي (دومة الجندل) خمسون ألفًا، وفي (البويب) خمسون ألفًا. وأعداد لا تنتهي من الفرس، كلما قُتِل منهم جيش جاء جيشٌ آخر

فقد كانت قوة فارس هي والروم أكبر القوى على الأرض، وكانت حدود فارس من غرب العراق حتى شرق الصين، وهي مساحة شاسعة جدًّا؛ لذا لديهم أعداد كبيرة جدًّا من البشر، وكما نرى من الصعب جدًّا الاحتفاظ بالأسرى؛ لأنهم يشكلون خطرًا كبيرًا على الجيش المسلم، ومن ثَمَّ أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهم حتى يَفُتَّ هذا القتل في عَضُدِ فارس، ويوفر على المسلمين الطاقة التي ستُبذل في حمايتهم.

ثم يقول له: “واللهُ وليُّ أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان”.

ثم أمره عمر رضي الله عنه بتنظيم جيشه وترتيبه.

 

فما الذي فعله سعد بن أبي وقاص بعد ذلك؟

السابق
المغيرة بن شعبة يخاطب رستم
التالي
رستم يتحدث إلى زهرة بن الحوية